من خزانة الطاهر اللهيوي: صفحات مطوية من تاريخ الشمال (بين أدب الرحلة ومرافعات السياسة)
سِفر الخلود: آل اللهيوي.. عبق النسب، منارات العلم، وملاحم التاريخ
تمهيد: أمانة الذاكرة وإرث المؤرخ
بين أيدينا نصوصٌ تستنطقُ التاريخ، استخرجناها من تضاعيف خزانة الوالد المؤرخ الطاهر اللهيوي؛ وهي أوراق تتجاوز سرد الوقائع لتكون شهادة حية على مسار أسرة عريقة بصمت تاريخ المغرب؛ انطلاقاً من قمم جبال "دارة" و"شفشاون"، ووصولاً إلى حواضر العلم في "تطوان" و"فاس"، ثم كواليس المقاومة والسياسة في الثغور الشمالية.
1. الجذور والأصول: من فجر الفتح إلى ربوع شفشاون
تضرب جذور العائلة عميقاً في التاريخ، حيث تبدأ الحكاية مع الجد الأعلى "الحسين بن الحسين المعروف بأخزان الزجلي". تشير المخطوطات (ولا سيما وثيقة أنساب الزجليين) إلى قدومه من المشرق في ركاب الفاتح موسى بن نصير سنة 92هـ. استقر الجد أولاً بـ "فحص تطوان"، ثم ارتقى الجبل ليحط الرحال في "وادي الأمان" بقرية "دارة" ضواحي شفشاون، حيث شيد مسجداً ومنارة ظلت رسومها شاهدة على عراقة الاستقرار.
وقد عضد الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن الزجلي (قاضي شفشاون) هذا النسب القرشي الثابت بناءً على رسوم عتيقة ووثائق عدلية قطعية.
2. شمس العلم والوجاهة: العلامة أبو العباس أحمد اللهيوي (عالم الحضرة)
ينتقل بنا الأرشيف إلى القرن الثاني عشر الهجري، حيث سطع نجم العلامة أبو العباس أحمد اللهيوي (توفي 1197هـ). لم يكن مجرد عالمٍ، بل كان من خاصة جلساء السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث). وصفته المخطوطات بعبارة بليغة: "كان قلبه أبلغ من لسانه"، وقد حظي برعاية سلطانية خاصة تقديراً لعلمه الذي وُصف بأنه "آية الله في سماء العلوم".
3. الامتداد الجغرافي: بين منارة فاس وديوان تطوان
رسمت العائلة مثلثاً حضارياً بين شفشاون وتطوان وفاس:
- في فاس: تؤرخ الأوراق لرحلة طلب العلم بجامع الأندلس عام 1180هـ على يد كبار الشيوخ مثل سليمان بن أحمد الفشتالي.
- في تطوان: مثّل فرع العائلة ثقلاً إدارياً وأدبياً بدار الخلافة، وبرز منهم أبو العباس سيدي أحمد بن محمد، الذي جمع بين فنون البلاغة والانخراط في الأوامر السلطانية.
4. مرافعة التاريخ: رسالة الريسوني إلى الخطابي (مكاشفة الضرورة)
في وثيقة استثنائية، يدمج الأرشيف بين الإرث العائلي وأحداث الوطن الكبرى، من خلال رسالة الشريف أحمد الريسوني إلى الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي. تُعد هذه الرسالة "مكاشفة تاريخية" بليغة، يوضح فيها الريسوني اضطراره للصلح مع الإسبان نتيجة استنزاف الرجال والعتاد وقسوة الظروف الطبيعية، مؤكداً رؤيته بأن صراعه كان "سياسياً أكثر منه حربياً".
خاتمة التوثيق
تُختتم هذه المجموعة بتوقيع نساختها على يد أحمد بن المختار النمشي الحسني في رمضان عام 1346هـ، لتظل أمانةً شاهدة على منهج الوالد الطاهر اللهيوي في قراءة التاريخ؛ المنهج الذي يزاوج بين أصالة النسب، وعمق العلم، وحكمة السياسة.
تحرير: جعفر اللهيوي
مستنداً إلى مخطوطات وتحقيقات الوالد الطاهر


تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution